محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
708
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فيثبت أن حبّ اللّه حبّ رجل من أولياء اللّه ومن اتّخذ أندادا من دون اللّه إمّا أصناما ينحتونها بأيديهم فيعبدونها ، وإمّا أشخاصا ينصبونها بآرائهم فيتولّونها ، فيحبّونهم كحبّ اللّه ويوالونهم كموالاة أولياء اللّه ، وذلك في الأوّل يتشابهان أمّا في الآخر : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا فهما يتباينان وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ فإنّ أنساب المؤمنين ووصلاتهم تتأكّد في القيامة ، وأسباب الكافرين ووصلاتهم تتقطع يوم القيامة . ومن وجه آخر المؤمن على حالاته لا يكون إلّا مع اللّه أو مع الصادقين عن اللّه ؛ فكونه مع اللّه أن يرى النعمة من اللّه ويجأر في الضرّ إليه ، وكونه مع الصادقين أن يرى الهداية من اللّه بواسطتهم ويجأر في الشبهات إليهم ؛ والكافر لا يكون مع اللّه ولا مع الصادقين عن اللّه ، فقد تبرّأ بعضهم من بعض في الدنيا كما تبرّأوا في الآخرة ؛ فلا يرون النعمة والهداية من اللّه ولا من الصادقين عن اللّه ، بل من حولهم وقوّتهم وعقلهم وفكرتهم ، ولا يجأرون في الضرّ والضلال إليهم ، بل إلى آرائهم وأحوالهم . فالمؤمنون أشدّ حبّا للّه في الدنيا والآخرة على جميع الحالات ، وهم كالبنيان يشدّ بعضه بعضا ، والكافرون متبرّئون في الدنيا والآخرة فهم كالخراب ينقض بعضه بعضا . وسرّ آخر : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً إشارة إلى أحكام القيامة ، فمن قرأ بالتاء فقال : هو خطاب النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - أخبره عن بعض أحكام القيامة ، وهو كون القوّة للّه جميعا ؛ فلا يبقى ثمّ من يقول بحوله وقوّته ، كما أنّ الأمر للّه جميعا والأمر والملك يومئذ للّه ، ومن أحكامه ظهور عذابه على شدّته ؛ فلا يكون ثمّ شفيع ولا يقبل منه عدل ، ومن أحكامه تبرّؤ المتبوعين من التابعين ، والمضلّين من الضالّين ؛ فتنقطع الأسباب من الأرحام والمودّات والعهود والوصلات والمذاهب والاعتقادات ، كما قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي . » 39 فسببه كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض ونسبه عترته الطاهرة كما قال - عليه السلام - : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي ( 289 ب ) ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض . » 40 وسرّ آخر : أنّ الحكم المفروغ هو حكم القيامة وقد يرى في المستأنف بالأثر ، وأنّ حكم